مفاوضات إيران مع دول «5+1» إلى أين؟

الشرق الاوسط – د. شمسان بن عبد الله المناعي: منذ أن بدأت المفاوضات الإيرانية مع دول «5+1» حول برنامج إيران النووي ولهجة الخطاب الإيراني أخذت في التغير تجاه أميركا وإسرائيل، فلم نعد نسمع في أجهزة الإعلام الإيرانية ما اعتدنا على سماعه تجاه أميركا أنها الشيطان الأكبر، بل أصبحت الصديق الحميم، وتجاه إسرائيل أنها سرطان يجب استئصاله نهائيا من العالم، وهذا يثبت لنا أن تصريحات القادة الإيرانيين كانت ولا تزال زوبعة في فنجان، ولو رجعنا إلى الوراء القريب أو البعيد، لوجدنا أنه لم يحدث أي عداء بين إيران وإسرائيل، بل على العكس كان هناك تبادل في المصالح بينهما، وهذا ينطبق على حزب الله الذي يحدث صراخا وجعجعة بلا طحين نحو إسرائيل، وها هو في ركود الآن نحوها.

وبعد تدخل إيران وحزب الله في سوريا ظهر بما لا يدع مجالا للشك أن إيران وحزب الله يتاجران بالقضية الفلسطينية، بل وقضايا العرب كلها، وهذا يعطينا تفسيرا عن سبب حدوث تقدم في المفاوضات الإيرانية مع دول «5+1» ولماذا إيران أخذت تستجدي العالم الغربي أن يفتح لها الباب لترميم العلاقات مع أميركا. انتظروا القادم بخصوص الموقف الإيراني من القضايا التي تتعلق بالمنطقة، فما كان تحت السطح وما جرى الاتفاق عليه تحت طاولة المفاوضات سوف يظهر علانية للعالم كله، وسوف تتخلى إيران عن «تهديداتها» تجاه إسرائيل وأميركا وتتفرغ للمنطقة سواء في سوريا أو العراق أو مصر أو دول الخليج، لكي تصفي حساباتها، فبعد أن كنا نعتقد أن حزب الله هو سهم في خاصرة إسرائيل أصبح شبيحته يقتلون السوريين، وبعد أن كان العراق حائطا حديديا يحمي المنطقة، أصبحت ميليشيات عراقية تحارب السوريين.. يا لها من مفارقات! أما آن لنا أن نصحو لهذا ونضع حدا له؟!

لا تظنوا أن إيران قد صمدت أمام العقوبات الاقتصادية الدولية، فهي أضعف من أن تفعل ذلك، إنها ليست سوى مسرحية تمت بين إيران والغرب لإخراجها من المستنقع السوري، وإعادة الحياة لها حتى تبقى قوة تحفظ التوازن في الشرق الأوسط الجديد، ونعرف هذا منذ فترة حكم الشاه عندما كانت الطائرات الحربية الإسرائيلية تتزود بالوقود من ميناء بوشهر الإيراني وتضرب الجيش المصري في حرب يونيو 1967 مرورا بحربها ضد العراق في عام 1980 حتى لا يظهر العراق كقوة نووية في المنطقة تهدد إسرائيل، وها هي اليوم تواصل دورها في سوريا، وتحارب الجيش الحر حتى يبقى النظام السوري الذي يحمي إسرائيل، وبالتالي يكتمل المشروع. أبعد هذا كله هل يمكننا الجزم أن إيران في عداء مع الغرب وأميركا وإسرائيل؟!

كل ما يقال عن أن العقوبات النفطية التي أقرها الاتحاد الأوروبي في يوليو (تموز) 2012 شكلت ضغطا على إيران هو كلام يفتقد إلى المصداقية، وذلك لأن مصدر الضغوطات على إيران ناتج من تدخل إيران الحالي في سوريا، ودعمها المالي والعسكري لنظام بشار الأسد هو الذي سبب العجز الاقتصادي الداخلي، كما ساهم في توسيع الهوة بين النظام وعموم الفئات الشعبية التي ترى في هذا الدعم إهدارا للثروات الوطنية، وتكريسا لأوضاعهم الاقتصادية المتأزمة. لقد ألزمت إيران نفسها بأجندة من الالتزامات المالية والعسكرية للمنظمات والجماعات التي تحارب بالنيابة عنها لكي تجعل من نفسها قوة في المنطقة، ومن هذه المنظمات والجماعات الحوثيون في اليمن، وإرسالها لمقاتلين للعراق.

من جانبها، ما زالت المعارضة الإيرانية خلق صامتة على التهور في السياسة الخارجية لنظامها، ولكن هذا لا يعني أن المعارضة الإيرانية ضعيفة، بل على العكس إنها لا تريد أن تدخل الشعب الإيراني في أزمات داخلية فيكفي هذا الاختناق المعيشي الذي يعيشه الشعب الإيراني.

كل هذه المعطيات تفسر لنا فوز روحاني (المعتدل) في الانتخابات الأخيرة ومشاركة إيران في جلسات الأمم المتحدة وإصرارها على حلحلة أزمة المفاعل النووي، ثم الوصول إلى اتفاق مع دول «5+1» والانفتاح على الغرب وتغيير صورتها أمام العالم عساها تخرج من النفق الذي أدخلت نفسها فيه. إيران يبدو أنها تعيد تقييم سياستها وعلاقتها مع الدول وخاصة الغربية منها وأميركا لأن الطريق الذي تسلكه سوف يؤدي بها إلى الهاوية.

لا يجب علينا أن نظن أن دول «5+1» على مسافة واحدة في علاقاتها ومصالحها مع إيران، فنجد أن أكثر هذه الأطراف حرصا على إنجاح المفاوضات وتطوير علاقاتها مع إيران هي الدول الخمس، ولذلك نجد أن دول الاتحاد الأوروبي لا ترغب في تصعيد الموقف مع طهران للعلاقات الاقتصادية بين أوروبا وطهران.

ومن أجل ذلك حاول الطرف الأوروبي تطويق هذه المعضلة ذات الأبعاد النووية عن طريق الدبلوماسية في محاولة لتجنب تكرار ما جرى في العراق (أي قصف المواقع النووية العراقية من قبل إسرائيل عام 1981)، وسعى لإقناع إيران بالتخلي عن استئناف أبحاثها النووية. ولذا، فإن الأوروبيين متخوفون إلى أبعد مدى أن تجري عسكرة حل التعاطي مع ملف إيران النووي، لأنهم سيكونون المتضرر المباشر من هذه العسكرة، ولذلك فحتى إن كانت أوروبا متوافقة مع أميركا إلا أنها ما زالت تفضل الخيار السياسي.

خطر فقدان هذه الفرص التجارية الكبيرة في إيران والدور الذي تلعبه لكونها تملك ثالث أكبر احتياطي عالمي من النفط، يوضحان بشكل جلي أسباب قلق الاقتصاديين الألمان من تصعيد المواجهة بين الحكومة الإيرانية من جهة، والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من جهة أخرى. ففي حالة قيام مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات اقتصادية على طهران سيكون على الشركات الألمانية، مثلا، الالتزام بها، وسيتسبب هذا بدوره في خسائر مهمة للاقتصاد الألماني ولموقعه في السوق الشرق أوسطية.

من ناحيتها، أميركا يهمها الجانب الأمني، ونقصد به أمن إسرائيل، فأميركا يهمها بالدرجة الأولى أن تبقى إسرائيل هي الأكثر تفوقا في السلاح النووي على أي دولة في المنطقة بأسرها، والأيام المقبلة حبلى بما تجود.

اخبار ايران: مفاوضات إيران مع دول «5+1» إلى أين؟

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s