مَن تسبب في خسارة العراق؟

undefinedالإتحاد الاماراتية- عبدالله خليفة الشايجي: ما يجري في العراق اليوم كان متوقعاً منذ دستور «بريمر» والمحاصصة التي رسخها، والخلل في توازن القوى الإقليمي الذي تلا ذلك.. وهكذا أصبح العراق مشكلة للكل ويهدد الجميع..

ومن يريد دليلاً على إخفاق الاستراتيجية الأميركية وفشلها العارم.. فلينظر إلى العراق الآن. والخاسر الأول طبعاً هم العراقيون؛ لأن العراق لن يعود إلى ما كان عليه.. وتتحمل أميركا كقوة احتلال مسؤولية كبيرة بسبب حسابات بوش ومحافظيه الجدد الخاطئة، التي قادت إلى كارثة جيو- استراتيجية وأمنية خلطت الأوراق ورفعت من مكانة إيران لتصول وتجول، بعد أن اختل ميزان القوى لمصلحتها..

وقد حولت إيران العراق الذي شكل أكبر تهديد للأمن القومي الإيراني منذ الثورة الإسلامية، إلى حديقتها الخلفية! وكما تعاونت طهران مع واشنطن في أفغانستان، واستضافت قيادات «القاعدة»، تعاونت معها أيضاً لإسقاط نظام صدام حسين.. ثم لتنشئ دولة طوائف مستعيرة تجربة النظام السياسي في لبنان ذي المحاصصة الفاشلة، فيما عُرف بلبننة العراق.. ومع مرور الوقت، أصبحت إيران هي اللاعب الإقليمي الأقوى والأكثر تأثيراً وتدخلاً في شؤون الدول العربية من اليمن إلى العراق وسوريا ولبنان وحتى القضية الفلسطينية.
ويفرض الشأن العراقي الآن نفسه بقوة على الشأنين الإقليمي والدولي بما يحمله من متغيرات وتداعيات متفجرة ومهددة لكيانه وللمنطقة، وما قد يفرزه من متغيرات ومستجدات تخلط الأوراق، وربما تعيد رسم الخريطة وتُسقط خرائط اتفاقية «سايكس – بيكو» عشية مئوية تقسيم المنطقة العربية على يد بريطانيا وفرنسا عقب الحرب العالمية الأولى.. ولكل هذا، فإن الشأن العراقي اليوم بكل تعقيداته وتداخلاته من حرب داخلية وطائفية، وأقاليم وحرب بين الشيعة والسنة، وأدوار لدول -ولاعبين من غير الدول- يفرض نفسه بقوة على الأحداث كافة في المنطقة وخارجها.. ويطغى على مباريات كأس العالم لكرة القدم في البرازيل، وعلى الثورة والحرب في سوريا، وحتى على الشأن الداخلي في أميركا وبريطانيا الدولتين اللتين قادتا الحرب على العراق في عام 2003! واليوم تعترف هيلاري كلينتون التي كانت عضواً في مجلس الشيوخ عن الحزب «الديمقراطي» في كتابها الذي صدر حديثاً تحت عنوان: «خيارات صعبة» بأنها قد «أخطأت ببساطة» عندما صوتت بالموافقة على تفويض بوش لشن حرب على العراق.

واليوم ها هو الشأن العراقي يفرض نفسه مجدداً على إدارة أوباما، وعلى مراكز الدراسات ووسائل الإعلام، وعاد ليسيطر على الصفحات الأولى للصحف الرئيسية. وقد أفرد كُتاب الأعمدة والرأي مقالات لاذعة وناقدة للفشل الأميركي الذي خلف عراقاً مُجزأً، وفشل في ربح الحرب والسلام معاً.. والعنوان العريض الذي يلاحق أوباما اليوم هو Who Lost Iraq، أي مَن الذي تسبب في خسارة العراق؟ وقد وضعت مجلة «تايم» الأميركية واسعة الانتشار على غلاف عددها الأخير عنواناً لافتاً: «نهاية العراق» The End of Iraq.

وفي ذلك دلالة قاطعة على الفشل الأميركي وتحميله المسوولية عما جرى ويجري الآن، بسبب تراخيه، وهو المسؤول أيضاً عن تردي الأوضاع في بلاد الرافدين بشكل يقلق الجميع.. ولذلك استغل «صقور» الحزب «الجمهوري» الوضع في العراق وصعود «داعش» وخطر تمدد الإرهاب ليوجهوا انتقاداً قاسياً لإدارة أوباما وله هو شخصياً، حيث يتهمونه بعدم الضغط بشكل كافٍ على المالكي -الذي أتى إلى السلطة بصفقة وترتيب بين واشنطن وطهران- لتوقيع اتفاقية إطار للقوات المسلحة الأميركية تبقى من خلالها بضعة آلاف من الجنود. وكذلك عدم الضغط على المالكي للابتعاد عن سياساته وممارساته الطائفية التي أقصت وعاقبت وطاردت المكون السني إلى درجة أن أحد القيادات السنية الرئيسية وهو نائب الرئيس طارق الهاشمي اضطر للجوء إلى تركيا بعد ملاحقته واتهامه بالإرهاب، وإصدار حكم إعدام بحقه. وكذلك رافع العيساوي السياسي الأكثر شهرة وشعبية تم اعتقاله وإهانته ونفيه خارج العراق.. وفوق هذا تحويل الغضب والحراك السني في الأنبار الذي دام أكثر من عام من الاحتجاجات والتظاهرات والاعتصامات إلى «إرهاب»، وتجاهل المطالب المحقة، وتوجيه اتهامات بالإرهاب للجميع بمجرد المطالبة بحقوق مشروعة. وكل ذلك وقع مع صمت أميركي، وعجز عربي، وتواطؤ من إيران، تنفيذاً لمخططها ومشروعها الكبير الذي يشرف قاسم سليماني على تطبيقه.

ومنذ البداية، تم انتقاد إدارة أوباما على الانسحاب المبكر من العراق.. وهو يؤكد في كل مناسبة أنه انتخب لإنهاء الحروب وليس لبدئها.. وبطبيعة الحال، تفاقم الوضع بسبب هوس أوباما بالانسحاب من العراق النازف وإنهاء الحرب على رغم الفشل في بناء توافق عراقي بعد الانسحاب، في نهاية عام 2011.. وكأن الانسحاب، في حد ذاته، أهم من ضمان نجاح العراق كنظام وجمهورية، وكيان جامع لكل العراقيين.

وقد كان واضحاً هذا التوجه في الكلمتين اللتين ألقاهما أوباما منذ سقوط الموصل وتكريت ومدن في شمال ووسط العراق بيد مسلحي تنظيم «دولة العراق والشام الإسلامية» المعروف باسم «داعش» منذ العاشر من يونيو الجاري.. وواضح جداً أن أوباما متمسك بمبدئه الاستراتيجي القائل إنه قد انتخبت لإنهاء الحروب وليس لشن حروب أخرى جديدة. وأكد أنه لن يتدخل في حرب أهلية، ولن يقدم على تعويم المالكي الذي فشل في أن يكون رجل دولة لكل العراقيين؛ ولذلك بدأ أوباما يبتعد عن المالكي، وقد لا يطول الأمر قبل أن يتم رفع الغطاء عنه والتفكير في شخصية شيعية عراقية تحظى بقبول المكون الشيعي وإيران والولايات المتحدة معاً ضمن تحالف «دولة القانون».. ولكن ذلك قد يبدو صعباً بعد الفوز الطائفي للمالكي في انتخابات برلمانية نهاية مارس 2013.. وسيرسل أوباما كما ذكر في كلمته يوم الخميس الماضي 300 من الخبراء العسكريين لتدريب قوات الأمن العراقية، ولجمع معلومات وتبادل تقارير استخبارات عن «داعش» ورصد مواقع، ليتم استخدام هذه المعلومات في حال تطلب الأمر قصفاً جوياً بطائرات بدون طيار لمواقع وتجمعات «داعش».. وكذلك ذهب وزير خارجيته إلى أوروبا والشرق الأوسط.. ولكن الإدارة الأميركية حذرة أيضاً من أن تظهر منحازة لطرف على حساب طرف آخر. فهي لا تريد أن تستعدي السنة، وتظهر على أنها تقوم بدعم المالكي الشيعي المتطرف، وتستعدي سُنة العراق والعالمين العربي والإسلامي. وهذا ما عبر عنه بذكاء الجنرال ديفيد باتريوس القائد السابق للقوات الأميركية في العراق ومهندس «الصحوات»، ولاحقاً المدير العام للاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي أيه»، حيث أكد أن «الولايات المتحدة لا تريد أن تظهر وكأنها سلاح طيران لمليشيا عراقية».

وفي المجمل، هناك قلق خليجي واضح، خاصة بعد ضم الكويت لخريطة «داعش» المستقبلية! وبعد طلب السيستاني عبر ممثليه خلال الجمعتين الماضيتين حمل السلاح للدفاع عن الوطن ومواجهة «داعش».. ثم مطالبته بحكومة وحدة وطنية.. وكذلك بعد دخول إيران على الخط وتقديم خدماتها، والتعاون مع واشنطن لمواجهة الإرهاب في العراق.. وهو ما يدعيه أيضاً حلفاء طهران في المنطقة كالمالكي والأسد ونصرالله. وكذلك تحذير إيران من أنها ستدافع عن المراقد والمقدسات الشيعية في العراق.. مع رفض واشنطن والدول العربية لأي تدخل إيراني في العراق.

وفي هذا الوقت، تشتبك السعودية في مواجهة علنية مع حكومة المالكي التي اتهمتها بدعم «الإرهاب» فيما ردت المملكة على لسان وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل بأن ذلك مثير للسخرية، وأن السعودية تحارب الإرهاب الذي تضررت منه، وعلى المالكي اتباع النموذج السعودي في مواجهة الإرهاب!

واضح أن العراق اليوم على مفترق طرق، حيث يواجه نذر حرب أهلية طاحنة، وتقسيماً بات واقعاً ومهدداً لكيانه ومستقبله ولأمن واستقرار أهم منطقة في العالم. ودلالة على ذلك، تتمدد تداعيات ما يجري في العراق إلى لبنان بتفجيرات وتهديدات أمنية.. وترتفع أسعار النفط عالمياً وهو ما يقلق الأطراف كافة! ويجعلنا معنيين بإطفاء النيران قبل أن نندم جميعاً.. ولنا عودة إن شاء الله.

اخبار ايران: مَن تسبب في خسارة العراق؟

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s